ملا محمد مهدي النراقي
354
جامع الأفكار وناقد الأنظار
ثمّ قال لبيان امكان الثاني وكونه بمنزلة الأوّل : انّ العلم بالأصلح هو المرجّح ، فالذات يقتضي احداث الحادث في آن الحدوث بواسطة الإرادة الّتي هي العلم بالأصلح ؛ انتهى ما ذكره بتوضيحه . وقد ظهر من قوله : « انّ تخلّف العلّة عن المعلول بحيث لا يتخلّل زمان بين تحقّقهما جائز عند الحكماء » أيضا . ولا ريب انّه على القول بالحدوث الدهري / 76 DA / - على ما اخترناه - لا يلزم التخلّف بحسب الزمان . على أنّه لم يظهر من كلامه ما يندفع به لزوم التخلّف بحسب الزمان على الحكماء ، مع أنّ ما أورده عليهم من لزوم التخلّف في الحوادث هو تخلّف زماني . ووجه الدفع عنهم هو التمسّك بالحركة السرمدية - على / 79 MB / ما ذكره المحصّلون منهم - ، وقد عرفت أنّ التخلّف معه لازم وكثير « 1 » منهم يلتزمونه . فان قيل : ما جوّزه الحكماء من التخلّف الّذي لا يتخلّل بين تحقّقهما زمان إنّما هو إذا كان زمان العلّة متّصلا بزمان المعلول ولا يتخلّل بينهما شيء أصلا - كما مرّ من تقدّم اجزاء الزمان والدورات بعضها على بعض - . لأنّهم قالوا : انّ القديم لا يمكن أن يصير علّة للحادث الزماني بذاته فقط ولا بانضمام ما هو شرط لوجود ذلك الحادث فقط ، بل لا بدّ هناك من علّة معدّة أيضا لتتميم علّة ذلك الحادث بما هو علّة له والمعدّة فيه ، فيبنى كونه متقدّما بحسب الزمان . فالعلّة التامّة للحادث انّما يجب وجودها بما هي علّة تامة له قبل زمان ذلك الحادث ، ولكن بحيث يتصل زمانها بزمانه . وبالجملة فالمجوّز من التخلّف عند الحكماء هو التخلّف مع اتصال الزمان وعدم الانفكاك أصلا ، وعلى القول بالحدوث الدهري لا بدّ من الانفكاك الواقعي - كما مرّ - . قلنا : الظاهر انّ منشأ استحالة التخلّف هو تحقّق وقت مع وجود العلّة بدون المعلول ، وإذا لم يوجد وقت فلا يتأتّى التخلّف المستحيل ؛ كيف ولو كان تخلّف المعلول مع العلّة لازما مطلقا فكما يمتنع حينئذ الانفكاك - سواء كان مع تخلّل زمان أم لا - كذلك يمتنع تحقّق العلّة في آن وتحقّق المعلول في آن بعده ؟ ! ، بل يجب حينئذ كون
--> ( 1 ) - الأصل : ولكنهم .